ابن بطوطة

353

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

لو زدنا في هذا المسجد حتى يبلغ الجبّانة لم يزل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليما . وأراد عمر أن يدخل في المسجد موضعا للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ورضي عنهما فمنعه منه وكان فيه ميزاب يصبّ في المسجد ، فنزعه عمر وقال : إنه يؤذي الناس ، فنازعه العباس وحكّما بينهما أبي بن كعب رضي الله عنهما فأتيا داره فلم يؤذن لهما إلا بعد ساعة ، ثم دخلا إليه فقال كانت جارتي تغسل رأسي ، فذهب عمر ليتكلّم فقال له أبي : دع أبا الفضل يتكلّم لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ، فقال العباس : خطّة خطها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وبنيتها معه وما وضعت الميزاب إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد . فقال أبي : إن عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما يقول : أراد داوود عليه السلام أن يبني بيت الله المقدس وكان فيه بيت ليتيمين فراودهما على البيع فأبيا ثم أرادهما فباعاه ، ثم قاما بالغبن فردّ البيع واشتراه منهما ، ثم ردّاه كذلك فاستعظم داود الثمن ، فأوحى الله إليه : إن كنت تعطى من شيء هو لك فأنت أعلم ، وإن كنت تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى يرضيا ، وان أغنى البيوت عن مظلمة بيت هو لي ، وقد حرمت عليك بناءه ، قال يا رب فأعطه سليمان ، فأعطاه سليمان عليه السلام . فقال عمر من يشهد لي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما قاله ؟ فخرج أبي إلى قوم من الأنصار فأثبتوا له ذلك ، فقال عمر رضي الله عنه : أما إني لو لم أجد غيرك أخذت قولك ، ولكني أحببت أن أثبت ، ثم قال للعباس رضي الله عنه ، والله لا تردّ الميزاب إلا وقدماك على عاتقيّ ، ففعل العباس ذلك ثم قال : أما إذ أثبتت لي فهي صدقة لله ، فهدمها عمر وأدخلها في المسجد ، ثم زاد فيه عثمان رضي الله عنه وبناه بقوة وباشره بنفسه ، فكان يظل فيه نهاره وبيّضه وأتقن محله بالحجارة المنقوشة ، ووسعه من جهاته إلا جهة الشرق منها وجعل له سواري حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص وسقفه بالسّاج ، وصنع له محرابا وقيل إن مروان هو أول من بنى المحراب ، وقيل : عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد . ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك ، تولّى ذلك عمر بن عبد العزيز فوسعه وحسّنه وبالغ في إتقانه وعمله بالرخام والساج المذهب « 48 » ، وكان الوليد بعث إلى ملك الروم : إني أريد أن

--> ( 48 ) مروان بن الحكم ، أدركه أجله سنة 65 - 684 - عبد الملك بن مروان أدركه أجله عام 86 - 705 ، والوليد بن عبد الملك ت 179 - 795 وعمر بن عبد العزيز توفى 101 - 720 ، وكلّ هؤلاء خلفاء أمويون . عمر بن عبد العزيز كان واليا بالمدينة وهو الذي قام بتوسعة مسجد الرسول مستعينا بالخبرة البيزنطية . على ما سنرى د . التازي : المسجد في المأثور الاسلامي ص 324 مصدر سابق . Gibb : ARAB - Byzantin Relations Dumbarton oaks papers XII - 1958